أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

13

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

كثرة وروده على الحالب ، ومنه : « لا درّ درّه » ، في الدعاء عليه بقلة الخير ، وفي المثل : « سبق درّته غراره » « 1 » وهي مثل قولهم : « سبق سيله مطره » « 2 » . واستدرّت المعزى « 3 » ، كناية عن طلبها الفحل ، قالوا : لأنها إذا طلبته حملت فولدت فدرّت . قوله : « تَجْرِي . . . » إن جعلنا جعل تصييرية كان تجري مفعولا ثانيا ، وإن جعلناها إيجادية كان حالا . و « مِنْ تَحْتِهِمْ » يجوز فيه أوجه : أن يكون متعلّقا ب « تَجْرِي » ، وهذا هو الذي ينبغي ألّا يعدل عنه ، وأن يكون ، إمّا من فاعل « تَجْرِي » ، أو من « الْأَنْهارَ » ، وأن يكون مفعولا ثانيا ل « جَعَلْنَا » ، و « تَجْرِي » على هذا حال الضمير في الجار ، وفيه ضعف لتقدمها على العامل المعنوي ، ويجوز أن يكون « مِنْ تَحْتِهِمْ » حالا من « الْأَنْهارَ » كما تقدم ، و « تَجْرِي » حال من الضمير المستكن فيه ، وفيه الضعف المتقدم . قوله : « مِنْ بَعْدِهِمْ » متعلّق ب « أَنْشَأْنا » . قال أبو البقاء : « ولا يجوز أن يكون حالا من قرن لأنه ظرف زمان » . يعني أنه لو تأخر عن قرن لكان يتوهم جواز كونه صفة له فلما قدم عليه قد يوهم أن يكون حالا منه ، لكنه منع ذلك بكونه ظرف زمان ، والزمان لا يخبر به عن الجثث ، ولا يوصف به . وقد تقدم لك أنه يصح ذلك بتأويل ذكرته في البقرة عند قوله : وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ « 4 » . و « آخَرِينَ » صفة ل « قَرْنٍ » لأنه اسم جمع كقوم ورهط ، فلذلك اعتبر معناه . ومن قال : إنه الزمان قدر مضافا ، أي : أهل قرن آخرين ، وقد قدمت أنه مرجوح . [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 7 إلى 9 ] وَلَوْ نَزَّلْنا عَلَيْكَ كِتاباً فِي قِرْطاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُبِينٌ ( 7 ) وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ ( 8 ) وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكاً لَجَعَلْناهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ ما يَلْبِسُونَ ( 9 ) قوله : فِي قِرْطاسٍ . يجوز أن يتعلق بمحذوف على أنه صفة ل « كتاب » سواء أريد ب « كتاب » المصدر ، أم الشيء المكتوب ، ويجوز أن يتعلق بنفس « كِتاباً » سواء أريد به المصدر أم الشيء المكتوب ، ومن مجيء الكتاب بمعنى مكتوب قوله : 1878 - [ بشرت عيالي إذ رأيت صحيفة * أتتك من الحجّاج يتلى كتابها « 5 » وفي النفس من جعل « كِتاباً » في الآية الكريمة مصدرا شيء لأن نفس الكتب لا يوصف بالإنزال إلّا بتجوز بعيد ، ولكنهم قد قالوه هنا . ويجوز أن يتعلق « فِي قِرْطاسٍ » ب « نَزَّلْنا » . و « القرطاس » : الصحيفة يكتب فيها تكون من ورق وكاغد « 6 » وغيرهما ، وهي بكسر القاف وضمها والفصيح الكسر . وقرىء بالضم شاذا ، نقله أبو البقاء . والقرطاس اسم أعجمي معرّب ، ولا يقال : قرطاس ، إلّا إذا كان مكتوبا ، وإلّا فهو طرس « 7 » وكاغد . وقال زهير :

--> ( 1 ) مجمع الأمثال برقم ( 1796 ) 2 / 111 . الفرار : قلة اللبن ، والدّرة : كثرته أي : سبق شره خيره ، ومثله سبق مطره سيله الآتي بعد في كلام السمين . ( 2 ) انظر السابق . المثل رقم ( 1797 ) . ( 3 ) استدرّت المعزى : أرادت الفحل ، يقال للمعزى إذا أرادت الفحل : قد استدرت استدرارا ، وللضأن : قد استوبلت استيبالا ، ويقال أيضا : استذرت المعزى استذراء من المعتل ، بالذال المعجمة . اللسان : « درر » 1358 . ( 4 ) سورة البقرة ، آية ( 21 ) . ( 5 ) تقدم . ( 6 ) الكاغد : القرطاس ، معرّب . ترتيب القاموس ( 4 / 62 ) ، واللسان : كغد ( 3892 ) . ( 7 ) الطّرس : الصحيفة ، ويقال : هي التي محيت ثم كتبت ، وقال ابن سيده : الطّرس . الكتاب الذي محيثم كتب . -